انطلاقا من التعاون التشاركي قام قسم التاريخ في كلية الآداب، وكرسي المرحوم سمير الرفاعي للدراسات الأردنية في جامعة اليرموك بعقد ندوة  تاريخية بعنوان "في ذكرى الحسين"، شارك فيها شاغل الكرسي الدكتور محمد العناقرة، والباحث الأستاذ أحمد أبو خليل.

وتحدث العناقرة بمداخلته الموسومة بـ : "محطات تاريخية من حياة الملك الباني الحسين بن طلال" استعرض فيها نشأة الملك الحسين بن طلال ومراحل حياته الدراسية، وأهم المحطات التاريخية من حياة الملك الحسين منذ توليه سلطاته الدستورية، حيث بدأ مسلسل المهمات الصعبة، مثل مجابهة العدو الصهيوني، وكانت المملكة الأردنية الهاشمية تعاني من الأزمات الاقتصادية والعجز المالي وترنح تحت ثقل قيود المعاهدة الأردنية البريطانية وقيادة الجيش بيد الضباط الأجانب البريطانيين وكانت الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على العديد من المواقع الأردنية، وبشكل خاص خلال الفترة 1952 – 1956 وهي من أهم التحديات التي واجهت الملك الحسين في بداية عهده.

واوضح العناقرة أن سياسة الأردن الخارجية اتسمت بالحيوية والنشاط والاتزان في التعامل مع سائر القوى على الساحة الدولية ومعالجة القضايا العربية والدفاع عنها تحقيقاً لأهداف الأردن وتطلعاته في الوحدة والحرية والحياة الفضلى والعمل من أجل الهدف القومي.

وأشار أنه كان للحسين في بداية شبابه طموح شديد في تعريب الجيش العربي والاستغناء عن خدمات الضباط الانكليز وجعل إدارة الجيش أردنية عربية حرة، حيث أقدم الحسين في 1/3/1956م على اتخاذ قراره المتمثل بإنهاء خدمة الفريق كلوب باشا من منصبه وترفيع الزعيم راضي عنان لرتبة أمير لواء، وتعيينه لمنصب رئاسة أركان الجيش العربي، لافتا إلى أن من أهم المحطات في مسيرة الملك الباني هي معركة الكرامة وأحداثها وتصدي قوات الجيش العربي الأردني للعدو، وتقديم بطولات رائعة في الدفاع عن حمى الأردن الغالي مما اضطر إسرائيل لأول مرة في تاريخها العسكري أن تطلب وقف إطلاق النار.

وأكد العناقرة بأن الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه جاهد منذ توليه سلطاته الدستورية من أجل بناء أردن حديث وإرساء دعائم نهضة شاملة في جميع جوانب الحياة وفي شتى المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتعليمية والعمرانية وترسيخ مبادئ الديمقراطية.

وعلى الصعيد الدولي فقد عَمِل جلالة الملك الحسين على إقامة شبكة من العلاقات الدولية أساسها الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة مع العديد من دول العالم وتجلى ذلك من عدم تخلفه عن حضور أي مؤتمر قمة عربي والحرص على حضور جميع اللقاءات والاجتماعات والمؤتمرات العربية والعالمية على كافة المستويات.

وبدوره تحدث أبو خليل في مداخلته بعنوان "الملك الحسين محطات من التاريخ غير الرسمي" عن أن الملك الراحل بدأ مع شعبه سيرةً شفوية "غيرَ رسميةٍ" تتألف من عددٍ لا يُحصى من المشاهد والمواقف مع مواطنيه في شتى المواقع، حيث تحوّلت هذه المشاهد إلى حكايا لا تنتهي، جَمَعَت الملك مع الناس، وأصبحت جزءً من ذاكرتهم وذاكرة أسرهم ومناطقهم؛ في القرى والبوادي والمدن والمخيمات والمعسكرات والجامعات والمدارس والشوارع والملاعب.

ولفت إلى أن ما هو "شفوي" في الإدارة السياسية الداخلية عند الملك المرحوم، وعند رجال السياسة الأردنيين الذين قادوا بلدنا طيلة ذلك الزمن، وخاصة في العقود الأولى من حكم الملك حسين، كان جزءًا مرافقًا رئيسيًا لما هو "مُوثّق" ومكتوب، حيث توازى ما هو "غير رسمي" في تاريخ بلدنا مع ما هو "رسمي".

وأوضح أن الشفوي أو غير الرسمي عند الملك الراحل الحُسين، كان بالإجمال معادلًا أو مماثلًا أو لما هو عَمَلي ومباشر و"إنساني" في أحيان كثيرة، إذْ من الواضح أن الملك ورجال إدارته، وخاصة في العقدين الأولين من حكمه، أي في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، قرروا أن يمارسوا مهامهم بصيغة تتصالح، وتلتقي، وتحترم تركيبة المجتمع وثقافته، وهو مجتمع شهد العديد من التغيرات والأحداث عميقة التأثير على مجريات الإدارة العامة،  كما لم تتوقف عملية التنويع في مكوناته الثقافية والاجتماعية والسياسية.

ولفت أبو خليل إلى ان الملك الحسين اختار أن يصنع صيغته الخاصة من ممارسة الحكم، فشَكَّلَ ذلك أسلوبَ الملك في فهم الحكم، الذي بمقابله، وبالتفاعل معه، تَشكّل أسلوبُ الشعب في فهم الملك كحاكم، وهو ما يزال يلقي بظلاله على علاقة الشعب الأردني بالدولة والسلطة ككل، مضيفا أن الملك حسين عمد إلى صياغة "تَرْكيبة" من الشرعيات، وتَنَقّل بين عناصرها بمرونة عالية.

واستعرض أبو خليل خلال مداخلته بعضا من أقوال الملك الحسين في كتابه "ليس سهلاً ان تكون ملكاً" حيث قال: "كان (جدي) يريد ابنًا بدويًا شجاعًا ومقدامًا لحمل رسالة الثورة العربية، ولم يكن قادرًا على قبول شخص ضعيف.. تلك كانت أسوأ الخيبات في حياته"، ثم يضيف: "كان يسمح لي بأن أصحبه في كل مكان، وهو الذي علّمني كيف أفهم طريقة تفكير أبناء شعبي، وتعقيدات العالم العربي الذي نعيش فيه. وعلّمني كيف أتصرف بكياسة في المناسبات الرسمية –وربما لأنه كان يشعر بخيبة أمل كبيرة بسبب خداع البريطانيين والفرنسيين له- كيف أتعامل مع الأمر في السراء والضراء. وقبل كل شيء علمني أن مهمة القائد الأولى هي أن يخدم".

وأشار إلى أن سنة الملك الأولى في الحكم، وهي ذاتها سنة حكومة فوزي الملقي الوحيدة، أحدثت تغيرًا كبيرًا وجذريًا في الحياة السياسية في البلد، فقد أعطيت بعض الأحزاب ترخيصًا بالعمل العلني، وصدرت الصحف الحزبية وغير الحزبية، كما صدرت قرارات بالإفراج عن كل المعتقلين السياسيين باستثاءات محدودة، مشيرا إلى أنه وبالنسبة للملك، فقد كانت تلك السنة وقتًا مناسبًا تعرّف فيه على السياسيين الذين يعمل معهم، حيث قال الملك الحسين في أيار 1954 ، ملخصًا سنته الأولى: إن "تجربته في الحكم الليبرالي لم تثبت نجاحًا كبيرًا. غير أنه لا يساوره إحساس تام بعدم الرضى، وذلك لأن التجربة أعطت بعض الأشخاص الجدد خبرة في الحكم، ومن شأنها أن توسع مجال اختياره للمستشارين في المستقبل".

واستذكر بعض القصص والمواقف في حياة الملك الحسين التي صادفته خلال زيارته لمختلف مناطق المملكة من شمالها إلى جنوبها، لافتا إلى ان الملك الراحل قد صاغ معادلته الخاصة في الحكم على المستوى الداخلي، وقد أنتجت تلك المعادلة بالنسبة للملك، قدرًا كبيرًا من التوازن بين العوامل المؤثرة: متطلبات البلد والناس والعرش والعائلة، وفي النهاية أسهمت تلك المعادلة في استمرار وبقاء واستقرار النظام والدولة.

وحضر فعاليات الندوة عميد كلية الاداب الدكتور أ.د موسى الربابعه ورئيس قسم التاريخ الدكتور عمر العمري وعدد من اعضاء الهيئة التدريسية في الجامعة وحشد من طلبتها.

018549