ضمن احتفالات جامعة اليرموك بمئوية الدولة الأردنية، نظم كرسي المرحوم سمير الرفاعي للدراسات الأردنية في مركز الملكة رانيا للدراسات الأردنية وخدمة المجتمع، ندوة "الاقتصاد الأردني في مائة عام"، بمشاركة نائب رئيس الوزراء الأسبق الدكتور جواد العناني، و مدير هيئة الاستثمار السابق الدكتور خالد الوزني.

وقال رئيس الجامعة الدكتور اسلام مساد، في كلمته الافتتاحية، إن هذه الندوة تأتي ضمن سلسلة احتفالات دولتنا الأردنية بمئويتها الأولى ودخولها المئوية الثانية من خلال تسليط الضوء على مسيرة دولة رغم تواضع امكانياتها، إلا أن طموحاتها لا حدود لها، بعدما شكلت قصة ملهمة للمنطقة العربية بما تحويه من دروس وعبر عن قيمة وأهمية البناء والتأسيس والنهوض بالدولة، والإيمان بالرؤى والأهداف والإصرار والتحدي.

وأضاف تشهد المملكة اليوم تحولات عظيمة ضمن أطر متجددة لنهضة تنموية شاملة تستلهم رؤاها من همة وعزيمة الهاشميين على مدار التاريخ، ومن جلالة الملك المعزز عبد الله الثاني، الذي يسعى للنهوض بالاقتصاد الأردني والتأسيس لمرحلة تاريخية في مسيرة الدولة الأردنية.

وأكد مساد على أن دولتنا الأردنية تشهد السير بخطوات واسعة نحو تحقيق مشروعها الاصلاحي الأبرز المتمثل برؤية جلالة الملك عبد الله الثاني للتحول والاصلاح الاقتصادي، وأن هذا الاصلاح يضع المملكة على أعتاب منحى جديد يُبشر بتطوير أركان ومناحي الاقتصاد الأردني، وإعادة هيكلة القطاعات الاقتصادية لتعزيز الاقتصاد الوطني الذي يعود بالأثر الايجابي على المواطن الأردني من حيث زيادة حجم الاستثمار، وتوفير فرص العمل للشباب، وتقديم المزيد من التسهيلات للمستثمرين العرب والأجانب.

وأشار إلى أن الجامعات الأردنية تقوم بدور مؤثر في تعزيز الاقتصاد الأردني وتنمية الاستثمار من خلال عمليات البحث والدراسة للوقوف على مواطن الخلل والأزمات، وإيجاد الحلول المبتكرة بناءً على دراسات مستفيضة تهدف إلى تعزيز التنمية المستدامة في القطاع الاقتصادي.

وشدد مساد على أن جامعة اليرموك، بوصفها مؤسسة علمية بحثية وحيوية منذ تأسيسها تلعب دورًا هامًا في التنمية الاقتصادية من خلال رفد سوق العمل بالكفاءات العلمية التي تعمل على زيادة الإنتاج والإنتاجية وزيادة مستوى الدخل القومي، مبينا أن هذا الدور الهام للجامعة جعلها واحدة من أهم حاضنات الأفكار والحلول لدعم عجلة الاقتصاد الوطني كغيرها من الجامعات الأردنية الفذة، وهذا يبدو جليًّا من خلال الكفاءات التي تُخرجها اليرموك والذين يشغلون مواقع هامة في مختلف المؤسسات والقطاعات الاقتصادية داخل الأردن وخارجه.

بدوره، قال عناني في ورقته التي حملت عنوان "تطور السياسات الاقتصادية الأردنية خلال مئة عام" إن الأردن يعكس النظرية الاقتصادية التي يتبناها بحكم الحالة التي يمر بها، مستعرضا المراحل الاقتصادية التي مرت بها الدولة الأردنية منذ نشأتها والتي بدأت بمرحلة الاقتصاد الفيزيوقراطي التي كانت معتمدة بالكامل على زراعة الحبوب (القمح، الشعير) وتربية الماشية والجمال، أي أن الاقتصاد مرتبط بالأرض والطبيعة، ولم تكن "العملة" لها أهمية بالغة في تلك الفترة حيث كان معظم الناس معتمدين على اسلوب المقايضة.

وأشار إلى أن فترة استقبال الأردن للعديد من الهجرات من دول أخرى لأسباب سياسية او دينية أدت بدورها إلى ازدياد عدد السكان، وبالتالي زاد حجم الاقتصاد وفرص العمل، فبدأت مرحلة المدرسة المركنتيلية التي تعتمد على التجارة بشكل أساسي، حيث أصبح الأردن معبرا تجاريا، وبدأت الحركة والتجمعات التجارية فكان الفائض الأساسي في رؤوس الأموال في تلك الفترة يأتي من قطاع التجارة.

وأضاف العناني أنه في الفترة التي تلي المدرسة المركنتيلية بدأت مرحلة الاقتصاد الكلاسيكي والذي يحدد به دور الحكومة والقطاع الخاص في الاقتصاد، فبدأت الحكومة تشعر أن لها تأثيرا كبيرا في القطاع الاقتصادي من جهة وأنه مطلوب منها خدمات أساسية كالبنية التحتية من جهة أخرى، لافتا إلى أنه ومع ظهور الأحزاب، واندماج الضفة الشرقية والضفة الغربية، وتنوع الاقتصاد، ودخول السياحة إلى القطاع الاقتصادي، وانتاج منتجات جديدة في القطاع الزراعي أدى إلى وصولنا إلى الفكر الاقتصادي الكينزي الذي يركز على دور كلا القطاعين العام والخاص في الاقتصاد.

ولفت إلى أن الدولة الأردنية واجهت خلاله مفهوم التضخم للمرة الأولى، ومن بعده عصر النفط الذي أصبحت به المملكة تعيش على ضفاف الدول النفطية وظهر ما يسمى بمرض Dutch disease ، وبعد ذلك عانى الأردن من المديونية، وصولا إلى عصر العولمة بنظرياته المتنوعة كالخصصة التي تبنت الدولة الأردنية فلسفتها.

وشدد العناني في نهاية حديثه على ضرورة إعادة إدارة الدولة بطريقة جديدة تأخذ بعين الاعتبار السلوكيات الاجتماعية واحتياجات الشباب وتوجهاتهم وأهمية دعمهم وتمكينهم.

وقال الوزني في ورقته التي حملت عنوان" استشراف مستقبل الاقتصاد الأردني مع دخول المئوية الثانية"، إن هناك محددات أساسية لاستشراف المستقبل، أبرزها التحولات نحو المعرفة والتعليم، والامكانيات الاستراتيجية، وتحويل هذه الامكانيات إلى واقع، مبينا أن هذا الاستشراف يكون من خلال نظرة واقعية وليس "تنجيما"، من خلال الإعداد السليم وفق خطط مدروسة قابلة للتنفيذ، وتقييم للعمل وفق التنافسية المستقبلية.

ويرى أن أعمدة استشراف المستقبل، تقوم على الرشاقة المستقبلية، والبنية التحتية التقنية، والقدرات المؤسسية العامة والخاصة، والتحولات التعليمية والمعرفية، إضافة لوجود الرغبة والقدرة على التفكير خارج الصندوق لتحسين المستقبل بشكل أفضل.

وذهب الوزني في حديثه، إلى تسمية المئوية الاقتصادية للدولة، بمئوية البحث والتطوير نحو ثورات صناعية زراعية خدمية، تقوم على طاقات بشرية شابة، وموارد اقتصادية قادرة على التطوير، وفق امكانيات تقنية وبحثية قادرة على التطوير والبحث والتحول نحو المعرفة "اقتصاد المعرفة".

وشدد على أهمية تحويل التحديات إلى فرص في المئوية الثانية، بتجاوز الترهل والتحول نحو الرشاقة المؤسسية، ومن التعليم إلى التأهيل فيما يخص الطلبة والخريجين، والبحث عن الاستثمارات وتعزيزها، وتقليل البحث عن المساعدات، لإن هذه المساعدات ربما يكون لها في النهاية ثمن أو موقف سياسي معين.

ولفت الوزني إلى حقائق ختامية نحو مئوية الانجازات، والتي تتمثل بالرقمنة والذكاء الاصطناعي، مبينا أن الحكومات الذكية هي مفتاح التحول القادم، مشيرا في ذات الوقت إلى أن هناك وظائف ستظهر وأخرى ستختفي، مع تأكيده على أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

وكان شاغل الكرسي الدكتور محمد العناقرة، أشار في كلمته إلى أنه في الحادي عشر من نيسان الماضي صادف ذكرى مرور مئة عام على دخول الملك المؤسس عبد الله الأول إلى عمان، حيث تحمل ذكرى المئوية معها مشاعر الفخر والاعتزاز بوطن بُني ونهض بسواعد أردنية مخلصة التفت حول القيادة الهاشمية، فقد سارت المملكة منذ مرحلة التأسيس على مبادئ الثورة العربية الكبرى وقواعدها الثابتة، بدأها الملك المؤسس عبد الله الأول بن الحسين الذي نجح في إرساء دعائم المملكة الأردنية الهاشمية، فمن التأسيس إلى البناء إلى التعزيز لتغدوا المملكة النموذج الأمثل للدولة الأكثر استقرارًا في المنطقة، ومن بعده الملك طلال الذي آمن بالأهداف وتكللت مساعيه بالنجاح فوضع الدستور الأردني الذي يصنف من أفضل الدساتير على مستوى العالم.

وتابع العناقرة أنه وفي عهد الملك الباني الحسين بن طلال رحمه الله كانت الانطلاقة الحقيقية للنهضة الشاملة في جميع المجالات فكان الأردن على موعد مع سلسلة من الانجازات المتوالية، واليوم وفي عهد جلالة الملك المعزز عبد الله الثاني أصبح الأردن مقترنًا بالإنجازات وبالنجاح والتميز على مختلف الصعد، مؤكدا اننا كأردنيين يحق لنا أن نفخر بمسيرة التنمية الشاملة في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبالمكانة الرفيعة التي وصلت لها مملكتنا بفضل قيادتنا الهاشمية الحكيمة.

وقال إن كرسي المرحوم سمير الرفاعي للدراسات الأردنية دأب على تنظيم هذه الندوة تحت شعار "الاقتصاد الأردني في مئة عام" من أجل خلق فضاء للتواصل وإتاحة مساحة للتبادل والنقاش بين خبراء الاقتصاد الأردني، ولتحقيق رؤية جلالة الملك عبدالله الثاني الاقتصادية المتكاملة والمنسجمة مع مراحل النمو والتطور للاقتصاد الأردني بين الماضي والمستقبل، مؤكدا أن تنميه الاقتصاد هو أحد الجوانب الهامة لتنمية المجتمع الأردني وهو الطريق الأمثل لتغيير حياة المجتمعات نحو الأفضل، وضمان كرامة المواطن واستقراره النفسي والاجتماعي.

وحضر افتتاح الندوة نائبا رئيس الجامعة الدكتور موفق العموش، والدكتور رياض المومني، وعدد من عمداء الكليات والمسؤولين في الجامعة، والمهتمين من المجتمع المحلي.

011765